الإسراء والمعراج بين شبهات المشككين وأدلة المحققين

0

(الإسراء والمعراج بين شبهات المشككين وأدلة المحققين)

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة مقالات عن الإسراء والمعراج بعنوان

(الإسراء والمعراج بين شبهات المشككين وأدلة المحققين)

إعداد الشيخ: احمد عبد العظيم عمرو على

المقال الاول: دوافع الإسراء.

(أ) – المقاطعة العامة.

استخدمت قريش العديد من الأساليب في مواجهة الدعوة الإسلامية فيما بينهم فأثاروا الشبهات حول القران، وعارضوه غير أنهم لم يفلحوا في مناقشة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ذلك فلجئوا إلى أساليب أخرى في محاربة الدعوة بتعذيب إتباعها فكانت فتنة شديدة على الصحابة وحمى الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعمه ابوطالب

وكان اشد من عذب من الصحابة خباب ابن الأرت رضي الله عنه وقام ابوبكر الصديق رضي الله عنه بشراء العبيد من الصحابة واعتاقهم منهم بلال وعامر بن فهيرة واستمرت قريش في إيذائها لمن امن واشتدت الفتنة على الصحابة فإذن لهم رسول الله بالهجرة إلى الحبشة فخرجت مجموعة مباركة قوامها (11) إحدى عشر رجلا و(4) أربع من النساء في أول هجرة في الإسلام وكان من بينهم عثمان بن عفان رضي الله عنه وزوجته رقية بنت محمد صلى الله عليه وسلم

وكان أميرهم عثمان بن مظعون رضي الله عنه ونزلت سورة النجم فقراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت عال على قريش عند الكعبة فلما بلغ السجدة سجد وسجد معه كفار قريش من عظمة الآيات.

فوصل خبر سجود كفار قريش لمهاجري الحبشة مشوها وهو ان اهل مكة أسلموا فرجع عدد منهم إلى مكة، واسلم حمزة بن عبد المطلب وبعده اسلم عمر بن الخطاب فقوى أمر الإسلام بهما، فبدأت قريش تستخدم أسلوبا جديدا في محاربة الإسلام وهو الإغراء بالمال والجاه والنساء والملك مع النبي صلى الله عليه وسلم كي يكف عن دعوته فأرسلت عتبة بن ربيعة ليفاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الإغراءات فرفضها رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلا.

تعنتت قريش بعد ذلك وطلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات رؤية الملائكة واجراء الأنهار فلم يستجب لاهوائهم فعادوا إلى التنكيل والاضطهاد للفقراء من أصحابه فأذن لهم بالهجرة الثانية إلى الحبشة وبلغ عددهم (82) اثنين وثمانين رجلا و(18)وثمانية عشر من النساء وكان أميرهم جعفر بن أبى طالب وكانت هذه الهجرة اشق من سابقتها ولقي المسلمون من قريش تعنيفا شديدا ونالوهم بالأذى وفى طريق الهجرة تعرض خالد بن حزام لحية نهشته فمات في الطريق وأرسلت قريش في طلبهم عمرو بن العاص وعبدالله بن ابى ربيعة ومكروا بهم عند النجاشي ملك الحبشة بعد ان ساقوا اليه الهدايا والتحف من بلادهم، لكن حصافة جعفر بن أبى طالب فندت أباطيل قريش ووفدها إلى النجاشي فردهم ورفض تسليم المهاجرين لهم.

فلما رأت قريش أن أمر الإسلام في انتشار رهيب اجتمعت على قرار جائر وظالم وهو كتابة صحيفة بمقاطعة بني هاشم وبني المطلب وتمخض حقد المشركين عن عقد هذه المعاهدة التي تعتبر المسلمين، ومن يرضى بدينهم أو يعطف عليهم أو يحمى أحدا منهم حزبا واحدا من دون الناس.

ثم اتفقوا على إلا يبيعوهم أو يبتاعوا منهم وألا يزوجوهم أو يتزوجوا منهم وكتبوا ذلك في صحيفة علقوها في جوف الكعبة توكيدا لنصوصها.

 وضيق الحصار على المسلمين واضطر رسول الله ومن معه من المسلمين ومن ناصره من قومه من غير المسلمين إلى الاحتباس في شعب، (بكسر الشين) بني هاشم وانحاز إليهم بنو المطلب كافرهم ومؤمنهم ما عدا أبا لهب فقد آزر قريشا في خصومتها لقومه، وكان يقول لتجار قريش يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئا، وقد علمتم مالي ووفاء ذمتي فانا ضامن ألا خسار عليكم فيذيدون عليهم السلعة قيمتها أضعافا.

حتى جهد المؤمنون وقل الغذاء في الشعب حتى بلغ الجهد أقصاه وسمع بكاء الصبيان وعضتهم ألازمات العصيبة، حتى رثى لحالهم الخصوم.

الإسراء والمعراج

ومع اكفهرار الجو في وجوههم فقد تحملوا في ذات الله الويلات، وظلت هذه المقاطعة ثلاث سنوات وفى فترة المقاطعة ولد حبر الأمة وترجمان القران عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في الشعب وقد أحزنت تلك الآلام بعض ذوى الرحمة من قريش، فكان احدهم يوقر البعير زادا ثم يضربه في اتجاه الشعب ويترك زمامه ليصل إلى المحاصرين فيخفف شيئا مما بهم من إعياء وفاقة.

وكان رباط الإيمان وحده هو الذي يمسك القلوب ويصبر على اللأواء، ومن الطبيعي أن يستعجل المسلمون الخروج من هذا المأزق لطالما وعدوا بالنصر والتمكين فما وجدوا إلا الروع والسغب وهاهم اولاء محرجون في ارض تنكرت لهم واقشعرت تحت أقدامهم ولا ريب أن قلوبهم قد امتلأت غيظا على أولئك المشركين الذين سخروا من جميع القيم الفاضلة وكفروا بانتصارها في الدنيا كفرهم بمجئ اليوم الآخر.

ولو لم يطلب أولئك المعذبون النصر لينقذهم من بأسهم لطلبوه كي يخزوا به المكذبين ويؤدبوا المتوقحين، بيد ان الوحي كان ينزل فيطالب المسلمين باليقين والثبات دون إرتقاب لهذه النتائج المتوقعة فيجب أن يجمدوا على حقائق الإيمان التي عرفوها وان يستمدوا من سموها وصدقها ما يراغمون به الأيام والأحداث.

وكان المشركون أيضا يتعجلون خاتمة الصراع بينهم وبين المسلمين لأنهم لا يثقون ببعث او جزاء ولا يظنون يوما قريبا سينشق فجره فأذا مكة خالية من الأصنام وإذا أذان التوحيد يرن في أرجائها وإذا المحصورون في الشعب هم أصحاب الأمر والنهى والسادة الحاكمون بأمرهم وهم اليوم أسرى يرجون العفو فكان يقينهم أن اليوم والغد لهم ويزين لهم الاستهزاء بهذا الوعد والتعريض به : (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين* قل لا املك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل امة اجل إذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون* أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون * أثم إذا ما وقع أمنتم به الآن وقد كنتم به تستعجلون ) يونس (48-51).

وقد أفاد الصحابة من ذلك عفة ونقاء وإخلاصا لا يعرف لها في التاريخ نظير فلما تعثرت تيجان الملوك بإقدامهم واستسلمت الأقطار المكتظة بالخير لجيوشهم كانت دوافع العقيدة وأهدافها هي التي تشغل بالهم قبل الفتح وبعده، فلم يكترثوا لذهب او فضة إنما عناهم أولا وآخرا إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

ولم يمنعهم الحصار في الشعب عن مواصلة جهاد الدعوة في موسم الحج وعرض الإسلام على كل وافد فأن الاضطهاد لا يقتل الدعوات بل يزيد جذورها عمقا وفروعها امتدادا، وقد كسب الإسلام أنصارا في هذه المرحلة وكسب إلى جانب ذلك أن المشركين قد بدؤا ينقسمون على أنفسهم ويتساءلون عن صواب ما فعلوا وشرع فريق منهم يعمل على أبطال هذه المقاطعة ونقض الصحيفة التي تضمنتها وأول من ابلي في ذلك بلاء حسنا هشام بن عروة فقد ساءه حال المسلمين ورأى ما هم فيه من عناء فمشى إلى زهير بن أمية وكان شديد الغيرة على النبي وكانت امه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت.

 أما أنى احلف بالله لو كانوا أخوال أبى الحكم (أبا جهل) ثم دعوته إلى مثل ما دعاك اليه ما أجابك ابدا فقال: ماذا افعل وإنا رجل واحد؟

والله لو معي رجل آخر لنقضتها فقال قد وجدت قال: ومن هو؟

قال: أنا، قال زهير ابغنا ثالثا فذهب الى المطعم بن عدى فقال له: أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد ذلك موافق عليه فضموه اليهما وضموا أبا البحتري و زمعة بن الأسود فتواعدوا في ( خطم الحجون ) مكان بأعلى مكة وتعاقدوا على نقض الصحيفة فقال زهير انا أبدئكم فطاف بالبيت فقال يا أهل مكة انأكل الطعام ونلبس الثياب وبنوا هاشم هلكى، والله لا اقعد حتى تشق هذه الصحيفة فقال أبو جهل كذبت لا تشق.

(الإسراء والمعراج بين شبهات المشككين وأدلة المحققين)

وتبع زهير أصحابه على رايه وصدقوه فقام المطعم الى الصحيفة لييشقها فوجد (الأرضة) قد اكلتها الا كلمة (باسمك اللهم)، وكانت العرب تفتتح بها كتبها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اخبر قومه بخبرها من قبل ان يأتوها، وقد أسهبت في مقالي هذا وحاولت تلخيص الأحداث قدر استطاعتي كي يعلم هؤلاء الشرذمة القليلة من الخلق ما عاناه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين ظهرانيهم من جهد في سبيل نشر هذا الدين الحنيف الذي جاء إلينا غضا طريا هينا لينا ليعبث بتعاليمه العابثون، ويسخر من معجزات رسوله الساخرون الذين لا يؤبه لهم ويتكلم الرويبضة في أمر العامة من الناس فالي اى مدى بلغ بهم الجهل بحقائق الدين وأصول العقيدة التي يعلمها كل امى ومتعلم والى أي هدف يسعى هؤلاء؟

إن الأمر جد خطير ويحتاج إلى إعادة النظر عندما يتعلق الأمر بالحديث عن الإسلام وتعاليمه فيجب أن يكون ذلك قاصرا على علماء المسلمين المتخصصين، والمشهود لهم بالكفاءة والفضل والإخلاص في القول والعمل والذين ينأون عن إشاعة الفتن والفوضى بين أبناء المجتمع ويجعلون من تعاليم الدين وثوابته لقمة سائغة يتناولها كل طالب شهرة وموجة يمتطيها كل صاحب هوى والله المستعان.

المصادر المستقى منها المقال:

1 – القرآن الكريم.

2 – سير أعلم النبلاء للأمام الحافظ أبو عبدالله شمس الدين الذهبي.

3 – السيرة النبوية لابن هشام.

4 – الرحيق المختوم المباركفوري.

5 – فقه السيرة للشيخ محمد الغزالى.

6 – فقه السيرة للشيخ محمد سعيد رمضان البوطى.

7 – الفصول في السيرة لابن كثير.

8 – السيرة النبوية واخبار الخلفاء لابن حبان.

9 – جوامع السيرة النبوية لابن حزم.

10 – الدرر في اختصار المغازى والسير لابن عبدالبر.

(الإسراء والمعراج بين شبهات المشككين وأدلة المحققين)

إعداد الشيخ: احمد عبد العظيم عمرو على

Leave A Reply

Your email address will not be published.