الهجرة النبوية الشريفة دروس وعبر

0

الهجرة النبوية الشريفة دروس وعبر

بقلم: د/ هند مكرم عبد الحارس

الهجرة لغة

جاء في معجم مجمع المعاني أن الهجرة: مصدر الفعل هاجَرَ، وتُجمع على هِجرات، وهي خروج الفرد من أرض وانتقاله إلى أرض أخرى بهدف الحصول على الأمان والرزق، أو هي انتقال المرء من بلدٍ إلى بلدٍ آخر ليس مواطناً فيه ليعيش فيه بصفةٍ دائمةٍ، وفسرها ابن منظور في (معجم لسان العرب) أن الهجرة هي الخروج من أرضٍ لأرضٍ.

فالهجرة هي: هجرة الإنسان لما حرم الله عليه، وهذه الهجرة فرض عين على كل مسلم، وقد صح في الصحيحين أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”، فالمهاجر هو من هجر ما نهى الله عنه.

الهجرة في تفسير القرطبي

أما الهجرة في تفسير القرطبي معناها: الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني، والهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرا وهجرانا، والاسم الهجرة، والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية.

الهجرة في الاصطلاح

أمّا الهجرة في الاصطلاح: عرفها شفقة حماد في كتابه دراسات في الجغرافيا البشرية بأنها: عملية إنتقال الأفراد أو الجماعات من مكانهم الأصلي الذي يعيشون فيه إلى منطقة أخرى، والإقامة في المكان الجديد لفترة رمنية معينة.

ويُقصَد بها هجرة الرسول (عليه الصلاة والسلام) من مكة إلى المدينة، وهي انتقال الرسول (عليه الصلاة والسلام) والمؤمنين من مكة إلى المدينة إلى أن تم فتح مكة، وقد تمّ الانتقال تأييداً ونُصرةً للرسول عليه الصلاة والسلام، وإعانة المؤمنين لبعضهم البعض على قتال الكفرة، والهجرة باعتبار الدار، وهي الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو الخروج من دارٍ ذات فتنة شديدة إلى دارٍ ذات فتنة أقل منها، أو من دار بِدعة إلى دار سُنّة.

الهجرة النبوية الشريفة دروس وعبر

والآيات القرآنية التي تتحدث عن الهجرة كثيرة منها ما يلي:

  • قول الله عز وجل في سورة البقرة آية رقم (218): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
  • سورة النحل آية رقم (41):﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةًۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
  • سورة النحل آية رقم (110):﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
  • سورة الأنفال آية رقم (75):﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَٰئِكَ مِنكُمْۚ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”
  • سورة آل عمران أية رقم (195):﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.

وفي تفسير ابن كثير لقول الله تعالي: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.

أي : فأجابهم ربهم، أي قال لهم مجيبا لهم: أنه لا يضيع عمل عامل لديه، بل يوفي كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى، فالذين هاجروا وتركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران، “وأخرجوا من ديارهم”.

أي: ضايقهم المشركون بالأذى ولهذا قال تعالى: “لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار” أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا وعنده حسن الجزاء لمن عمل صالحا.

يقول الشاعر مختار الشريف في هجرة الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم):

مــاذا تـقـول بـهـجرة الـمختار           لـغـة الـبـيان ومـهجة الأشـعار

نـظـرات طـه حـين راح مـهاجرا        تـقـفو خـطـاه عـصـابة الـكفار

جـمعت قـريشًا كـل ذئب كاسر       والـعـنكبوت حـمت لـباب الـغار

وسـراقـة غـاصـت قـوائم خـيله          حـتـى الـرمـال تــذل لـلمختار

ارجــع سـراقـة لا تبح بـمكاننا          ومــن الـنـبي بـشـارة بـسوار

سـبحان مـن جعل الفقير مبشرا      بـكنوز كـسرى وهو ذو الأطمار

وصـل الـنبي إلـى مـدينة يـثرب      فـرأى جـدودي مـعشر الأنصار

قـد أنشدو بـقدومه طلع الهدى        بــدرا وأشــرق سـيد الأقـمار

الهجرة النبوية الشريفة دروس وعبر

الهجرة النبوية الشريفة دروس وعبر

أسباب الهجرة

كلنا يعلم مكانة مكة في قلب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في وقلوب المسلمين، فهي مهبط الوحي على خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وسلم)، وفيها نزل القرآن الكريم، ومنها انطلقت رسالة الإسلام إلى العالم كله، فهي مهوى أفئدة المسلمين وقبلتهم، وكما روي عن عبدالله بن عدي بن الحمراء قال: “رأيتُ رسولَ اللَّه (صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ) واقفًا على الحزوَرةِ (موضع بمكة) فقالَ: واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ولولا أنِّي أُخرِجتُ منكِ ما خرجتُ”، وكما روي عن عبدالله بن العباس عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: “ما أطيبَكِ من بلَدٍ وأحبَّكِ إلَيَّ، ولولا أنَّ قومِي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ”.

أما عن أسباب الهجرة فكثيرة نذكر منها ما يلي

1- الحفاظ على سلامة الدين واقامة الشعائر، والإعداد لإقامة دولته؛ لذلك سمح الرسول (صلى الله عليه وسلم) للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة، ثم هاجر معهم إلى يثرب (المدينة المنورة).

2- حفظ النفس، فإذا كان الإنسان معرضا للقتل والاضطهاد وأصبح هدفا للاغتيال، فإنه يجد الهجرة والفرار سبيلا لحفظ النفس، كما حدث مع موسى (عليه السلام) حين هيأ الله تعالى له أسباب الهجرة من مصر إلى مدين، حين دخل موسى مدينة منف بمصر وقت غفلة أهلها أي (وقت القيلولة)، فوجد فيها رجلين يقتتلان: أحدهما من قومه من بني إسرائيل، والآخر من قوم فرعون

فطلب الذي من قومه النصر على الذي من عدوه، فضربه موسى بجُمْع كفِّه فمات، قال موسى حين قتله: هذا من نزغ الشيطان، بأن هيَّج غضبي، حتى ضربت هذا فهلك، إن الشيطان عدو لابن آدم، مضل عن سبيل الرشاد، ظاهر العداوة.

وهذا العمل من موسى عليه السلام كان قبل النبوة بسببهأ صبح موسى (عليه السلام) مطلوبا لدى فرعون وجنده كما قال الله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ(20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة القصص، آية رقم 20: 21)

3- نشر الدعوة والسعي إلى الإصلاح في الكون، وقد كان هذا هو الباعث للأنبياء على الهجرة، وكذا الصحابة.

4- توفير الاحتياجات الضرورية للبقاء على قيد الحياة، فقد كانت هجرة العرب الأوائل بحثا عن الكلأ والماء، فأينما وجد الماء وجدت الحياة.

5- الهجرة القسرية أو الاضطرارية، والتي تكون بفعل العوامل الكونية كالزلازل والبراكين والفيضانات، أوبفعل الأمراض والأوبئة، أو بفعل العوامل البشرية كالحروب والمجازر.

الهجرة إلى الله عز وجل

للهجرة أنواع كثيرة نذكر منها على سبيل الحصر (الهجرة الداخلية، الهجرة الخارجية، الهجرة المؤقتة، الفردية، الجماعية، هجرة شرعية، وهجرة غير شرعية)، ولكن ما نُعنيه هنا الهجرة إلى الله (عز وجل)، هجرة ترك المعاصي والذنوب، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجل جاء النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله أي الهجرة أفضل ؟ قال: أن تهجر ما كره ربك عز وجل. 

فالهجرة كما ذكرها لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هي أن تهجر ما كره ربك عز وجل من قول وفعل، فالهجرة هي هجر المعاصي إلى الطاعات، فهي هجرة دائمة كما ورد في حديث رَسُول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) حين قال: “لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا”.

فالمسلم دائما في حاجة إلى هجر المعاصي وفحش القول، وبذئ الكلام، إلى الطيب من القول وما يرضي الله عز وجل ورسوله، فالمعاصي لها أثر سئ في نفوس الناس في الدنيا قبل الآخرة، كما ورد في حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ).

وختاما نخرج من دروس الهجرة النبوية الشريفة إلى أن ثواب الهجرة مستمر حين نقرر هجر المعاصي والذنوب إلى الطاعة والعمل الصالح، وأن نهجر الكسل إلي الجد والاجتهاد في العمل، وأن نهجر الكذب إلى النجاة بالصدق، وأن نهجر الكسل والتراخي في أداء العبادات من صلاة وصيام وزكاة إلى الحرص على أداء الطاعات والعبادات

وأن نهجر قطع الأرحام إلى صلة الارحام، والحرص الشديد على كل ما يقربنا إلى الله (عز وجل) من قول وفعل؛ لما يحقق مصلحة العباد وأمن البلاد، وكل عام والجميع بألف خير، وصَلِّ اللهم وسَلّمْ وباركْ على سيّدنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات

Leave A Reply

Your email address will not be published.