تأمّلات في مقر الجريدة

0

تأمّلات في مقر الجريدة

كتب كريم جعفر

جالساً على المكتب الخارجي ل غرفة الاجتماعات ممسكا

بسيجارتي بين أصابعي أدللها، وعقلي هائم بعالم آخر في بعد آخر يتأمل ما حوله فقط، أتأمل كل ما يقع عليه نظري في هدوء تامّ.

تحركات “مجدي” ذهابًا وإيابًا ممسكًا قهوته يرتشف منها بضع جرعات ثم يضعها أمامي ف ينساها (كالعادة)، العضو الجديد الذي يسير بخطوات منتظمة بجانب (خلود) تعرفها على كل مكان في المقر.

الفتاة غير المكترثة بمَن حولها، المستغرقة في أفكارها تماماً، الجالس على الرصيف وحيداً تحت ظل شجرة وفي يدها كوب قهوة وثمة كتاب بجانبها.

 أسأل بماذا تفكر؟ هل تشعر بالوحدة؟ هل لديها أصدقاء؟ هل تنتظر شخصًا ما؟ بماذا تشعر في هذه اللحظة؟ لا أعلم ولن أفترض إجابات.

أنظر في مكان آخر فأرى على مرمى البصر فتاتين يلتقطان الصور لبعضهن في ثمة مكان، تستطيع أن تعرف من حركتهن ونظراتهن أن هذا أول حضور لهن هنا.

 أو أنهم فقط سذج لهذه الدرجة يتنقلون من مكان لآخر بخفة، وينظرون لكل شيء بدهشة واضحة على ملامحهم البراقة. أهيم أفكر عن ماهية شعورهن بهذه المرحلة الجديدة؟ هل يحبون هذه الجريدة البائسة؟ هل انطباعهن الأول عن المكان سلبي أم إيجابي؟

هل هذا هو المجال الذي يحبونه بحق ولطالما أرادوا دراسته واستكشافه أم أنه المجال الذي يفضله أهلهن؟ أم أنهم يضيعون وق فراغهن فقط بسبب صديقة أخرى لهن تعمل معنا وأصرت على إحضارهن؟ هل سيصنعون علاقات صداقة متماسكة مع الآخرين أم سيكتفون بصحبة أنفسهن؟

هل سيبقون أصدقاء يقضيان وقتًا ممتعا مع بعضهن أم أن استكشافاتهم الجديدة كفيلة بصنع سبب تافه يفرقهن؟ لا أعلم ولن أفترض شيئاً، على كل حال أثق أنهن سوف يسلكن طريقهن بشكل أو بآخر ولا يسعني إلا أن أتمنى لهن حياة أكثر جمالاً وسعادة مما كانت عليه حياتي.

أعود إلى نفسي، ها أنا ذو الشخص المنسي أمام مكتب خشبي عتيق، الوحيد في مقر واسع مليء بالبشر، أقف في مكان يسمح لي برؤية مساحة كبيرة منه ولا أحد يراني.

 أكتب هذه الكلمات لأني أشعر أن النهاية تقترب، لم يعد لي إلا هذه السنة، المفارقة بيني وبين الفتاتين أنهن في السنة الأخيرة بينما أنا في سنتي الأولى، وكلانا يشعر بشيء من الخوف والقلق من الآتي، كلانا يختبر مرحلة جديدة للمرة الأولى دون خبرة سابقة. أتذكر ميلان كوديرا حين قال في روايته الجميلة “كائن لا تحتمل خفته”:

(الحياة تعاش كلها دفعة واحدة من غير دليل أو خبرة سابقة تتعلم منها أو حتى فرصة عشين تعيد تصحيح أخطائك، مجرد ومضة، بتظهير ثم تختفي، للأبد.)

أليست الحياة مجرد اقتحام لما نجهل؟! لا نعلم ما يخفيه ستار الغد، لا نعلم ما تدسه اللحظة القادمة، ولا نعلم إن كانت اللحظة القادمة سيكتب لها ميلاد!

 يقول كوديرا:(لا توجد أي وسيلة لنتحقق أي قرار هو الصحيح، لأنه لا سبيل لأي مقارنة، كل شيء نعيشه دفعة واحدة، مرة أولى ودون تحضير، مثل ممثل يظهر على خشبة المسرح دون أي تمرين سابق، ولكن ما الذي يمكن أن تساويه الحياة إذا كان التمرين الأول هو الحياة نفسها؟)

رباه! لا أعرف كيف مرت تلك السنوات بهذه السرعة! لم أعش لحظات جميلة، لم أكن صداقات متماسكة، لم أحظ بقصة جميلة لا تنسى، لم أصنع ذكريات عذبة يمكنني تذكرها بعد سنوات من العمل والدراسة والفشل باستمرار، يا للبؤس سوف أختفي دون أن أعيش لحظات ممتعة وثمينة مع مَن كانوا يمكن أن يكونوا أصدقاء، لن أنال شيئاً إضافيا مع الشهادة.

تأمّلات في مقر الجريدة


اقرأ المزيد

اسيوط على خريطة المدن السياحية _ السياحة الداخلية

كنز روسيا الاقتصادى مخلصة بوتين وسلاحه الاقتصادى

Leave A Reply

Your email address will not be published.