ناصر بسكالس يكتب: إنكار الذات «الجزء الثانى »

0

ناصر بسكالس يكتب: إنكار الذات «الجزء الثانى »

انكار الذات عمل عظيم من ناس عظماء الذى امتلأت به الكتب عبر التاريخ ولنا فيها امثلة عظيمة ومنها ابى عبيدة وانكاره لذاته لمحبتة فى الاخرين وتفضيلهم على نفسة

فَهَذَا الْإِنْكَارُ الَّذِى قَامَا بِه أَبِى عُبَيْدَةَ وَالْفَارُوق لَمْ يَكُنْ زُهْدًا فِى أَمْرِ هَيِّنٌ أَوْ قَلِيلٍ أَنَّهَا خِلَافُه الْمُسْلِمِين النَّاس بطبيعتها تَمِيلُ إلَى الزَّعَامَة وَالْقِيَادَة حَتَّى تُقَاتِل الْكَثِيرُون عَبْرَ العُصُورِ عَلَى القِيادَة وَالْمَنَاصِب فَكَمْ مِنْ زُعَمَاء عَبْرَ التَّارِيخِ أَخَذُوا مَوْقِع القِيادَة صُعُودًا عَلَى جُثَثٌ الابرياء وَكَمْ مِنْ بُلْدانِ أَفْنَيْت عَنْ آخِرِهَا بِيَدِ مَنْ يُحَاوِلُ الْوُصُولِ إلَى السُّلْطَة . وَكَمْ مِنْ قَادَه عَبْرَ العُصُورِ وَصَلَّوْا لِشُهْرَة أَو قِيادَة وَعَلَى رَأْسُهُم تَاج مُلَوِّثٌ بِدِمَاء الْآخَرِينَ الَّذِينَ ضَحُّوا بِأَنْفُسِهِم وَإِنْكَار ذاتهم لِيَكُون غَيْرِهِم فِى الصَّدَارَة وَالْقِيَادَة

فَمَا بَالُ الْفَارُوق وَأَبَى عُبَيْدَة فِى إِنْكارُ الذَّاتِ ولايرضون بالزعامة تَارِكِين ذَلِكَ كُلِّهِ لابو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُم فَرِحِين وَآيَة زَعَامَة أَنَّهَا قِيادَة الدَّوْلَة الْإِسْلَامِيَّةِ وَمَا بِهَا مِنْ شَرَفِ للقيادة وَالزَّعَامَة خَلَفًا لِمُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .

أَبِى عُبَيْدَةَ يُنْكِر ذَاتِه فِى مَوْقِعَه أُخْرَى عِنْدَمَا
أُمِدّ بِهِ الرَّسُولُ « ص » لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ وَجَعَلَ لَهُ مَدَدٌ فِى قِوَام مِائَتَيْن رَجُلٌ مِنْ خَيْرِهِ الصَّحَابَة وَعَدَد مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَصَرّ حِينِهَا عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِتَكُونَ فِي يَدِهِ القِيادَة وَالزَّعَامَة لِدَرَجَة أَغْضَبْت الْكَثِيرُ مِنْهُمْ فَمَا كَانَ مِنْ أَبَى عُبَيْدَةَ إلَّا أَنَّهُ يَتَذَكَّر مَقُولَة الرَّسُول « ص » لَه
تَطَاوَعَا ولاتختلفا فَبَادَر أَبِى عُبَيْدَةَ الزَّاهِد عَمْرِو قَائِلًا « وَإِنّك وَاَللّهِ وَإِن عصيتنى أَطَعْتُك » لِيَضْرِب لَنَا أَرْوَع الْقَصَص فِى إِنْكارُ الذَّاتِ وَأَجْمَلَهَا .

وَمَا أَرْوَع إِنْكارُ الذَّاتِ لأَبِى عُبَيْدَةَ ابْنُ الْجَرَّاح
الَّذِى جَعَلَه يَخْفَى وَيَكْتُم خَبَر كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّذِى وَصِلَة أَثْنَاء مَعْرَكَة الْيَرْمُوك بِعَزْل خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ قِيادَة الْجَيْش وَتَوَلَّى أَبِى عُبَيْدَةَ مَكَانَه قِيادَة الْجُيُوش . حَتَّى أَتَمَّ الْقَائِد خَالِد الْفَتْح . واستفسر الْقَائِد خَالِدٌ مِنْ أَبَى عُبَيْدَةَ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرُنِي حِين وَصَلَ الْكِتَابُ فَأَجَابَه الزَّاهِد عَن الصَّدَارَة وَالْقِيَادَة .
كَرِهْت أَنْ أَكْثَرَ عَلَيْك حربك ، وَمَا سُلْطَان الدُّنْيَا نُرِيد ، فَكُلُّنَا فِى اللَّه أَخُوه .

هَذِه هِى أَرْوَع الْأَمْثِلَة الَّتِى كَتَبْت عَنْ إنْكَارٍ الذَّاتِ وَنَرَى فَرَحُه وَرِضَى أَبِى عُبَيْدَةَ بِأَنْ يَكُونَ جندى تَحْت قِيادَة خَالِدِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَلَى أَنَّ يُكْسَرَ فَرَحُه الْعَامَّة بالقائد الْمُنْتَصِر وَفَضْل أَنْ يَتْرُكَهُ فِى القِيادَة فِى إنْكَار لِلذَّات عَظِيمٌ فِى مَحَبَّتِه وَتَفْضِيل الْغَيْرِ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَا يُهِمُّهُ سُلْطَان الْآخِرَةِ وَمَا لِلدُّنْيَا مِنْ سُلْطَانٍ حَتَّى يَطْمَعَ فِيهِ أَوْ يُفَضِّلُه .

إذَا رَجَعْنَا إلَى عصورنا قَدِيمَةٌ نَجِدْهَا مَلِيئَة بِقِصَص إِنْكارُ الذَّاتِ وَالْمَحَبَّة وَالتَّضْحِيَة فَكُلّ الْأَدْيَان دَعَت لِإِنْكَار الذَّات فِى الْفَوْز بِالْآخِرَة . وَأَنْ يَكُونَ زُهْدًا مِنْ الْقَلْبِ يَشِع مِنْهُ نُورُ الْمَحَبَّة الْعَامَّةُ عَلَى الْخَاصَّة وَتَذَكَّر الْآخَرِين بِمَحَبَّة وَتَقْدِيمُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .

سيرتنا الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ بِهَا الْكَثِير وَالْكَثِيرُ مِنْ العُظَماءِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا ذاتهم مفضلين الْعَامَّة عَنْ الْخَاصَّةِ وَالْآخِرَة عَنْ الدُّنْيَا فَكَان لَنَا النَّجَاح وَالثَّبَاتِ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ لِأَنَّه امْتِلَاء بِرِجَال أَنْكَرُوا ذاتهم حُبًّا فِى دِينِهِم ووطنهم وَأَهْلِهِم فظلوا فِى التَّارِيخ خَالِدِين مُخَلَّدَة ذكراهم العطره نستمد مِنْهَا الْحَبّ وَالْعَطَاء واروع الْأَمْثِلَة للقيادة والصداره لَيْسَ فِى مَنْصِبٍ أَوْ سُلْطَانٍ إنَّمَا فِى الْعِفَّة وَالْمَحَبَّة وَالْقِيَادَة الْإِنْسَانِيَّة الَّتِى كُتِبَت ومازالت تُكْتَب بِحُرُوف مِنْ نُورٍ فِى تاريخنا الَّذِى كَانَ لَنَا إرْث مِنْهُم نفخر بِه ونتمنى السَّيْرِ عَلَى خَطَأَه لنعود فِى صَدارَة الْأُمَم عِلْمًا وَأَخْلَاقًا وَأَدَبًا
فَهَل نَعُود ونقود كَمَا كُنَّا . .
وَلَنَا لِقَاء وسطور مِنْ ذَهَبٍ لِتَارِيخ إِنْكارُ الذَّات

ناصر بسكالس يكتب: إنكار الذات «الجزء الثانى »

الحجامة الجزء الرابع عشر « من عصير الكتب» 

Leave A Reply

Your email address will not be published.