لِمَاذَا فَقَدْنَا الْإِحْسَاس بِالْقُبْح « 1»

0

لِمَاذَا فَقَدْنَا الْإِحْسَاس بِالْقُبْح « 1»

كتب ناصر بسكالس

انْعِدَام الْإِحْسَاس بِالْقُبْح لَيْسَ مُجَرَّدَ افْتِقَاد الْقُدْرَةِ عَلَى تَذُوق الْجَمَال ، فَقَد اِخْتَفَت فِى الْإِنْسَان شُعْلَةٌ الْإِحْسَاس بِالْجَمَال وتذوقة . وَمَعَ ذَلِكَ يَبْقَى قَادِرًا عَلَى مُلَاحَظَةِ الْقُبْح وَالاِنْتِباه لَه .
مِنَ الظَّوَاهِرِ المقلقة هِى ازْدِيَاد الْقُبْح فِى حَيَاتِنَا, والادهى مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ التفاتنا إلَيْه وتعودنا عَلَيْهِ فَلَوْ انتبهنا إلَيْه واقتلعناه مِن نُفُوسِنَا وقاومناة لقطعناة مِنْ جُذُورِهِ .
الْقُبْح الَّذِى نَتَحَدَّث عَنْهُ هُوَ الْقُبْح بِكُلّ أَنْوَاعِه وَصُورَة وَإِشْكَالِه،فَلَيْس الْقُبْح المادى المتمثل فِى قِلَّة النِّظَام والفَوْضَى والعشوائيات وَقَتْل أَمَاكِن الْجَمَال فِى كُلِّ مَكَان وتغلغل الْقُمَامَة فِى مُعْظَم الشَّوَارِع ، وَأَيْضًا لَيْس الْقُبْح الْمَسْمُوع أَو الْمُصَوِّر أَوْ الْمَقْرُوءُ الَّذِى نصم لَهُ الْأَذَانُ ونغلق مِنْه عُيُونُنَا .
فالقبح الَّذِى اعنيه الْقُبْح فِى الْبُعْدِ عَنْ الْقَيِّم، قَيِّم الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَالزُّهْد وَالْوَقَار وَالْإِخْلَاص والجدية وَالطُّهْر والشفافية وَالْعَدْل وَالِاسْتِقَامَة

أَنَّه الْقُبْح الْكَائِن فِى انْحِرَافٌ السُّلُوك عَن الْمَوْضُوعِيَّة وَاعْتِيَاد تَعْظِيم الذَّات،

وَفِى تُجْبَر الْأَقْوِيَاء عَلَى الضّعَفَاءِ ، فِى الْقُوَّة وَالْجَبَرُوت والغطرسة . الْقُبْح فِى تَفْضِيل الْكَذِب وَالتَّفَاهَة وَالنِّفَاق والمراوغة والسطحية ، والانحصار الْمَرِيض فِى الانْحِياز لِلشَّهَوَات وَحُبّ النَّفْس . الْقُبْح فِى انْعِدَام الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِحْسَاسِ بِالْآخَر .

الْقُبْح فِى عَدَمِ الِالْتِفَاتِ لِحُقُوق الْآخَرِين .

وَفِى اخْتِلَال لُغَة الْخَطَّاب وَالتَّعَامُل وتفشى العربدة وَضَلَالٌ الْكَلِمَة وَالْفِعْل . الْقُبْح أَيْضًا الَّذِى اعنيه الجَرَى خَلْف أَطْمَاع الذَّات والانحياز وَالِانْتِصَارُ لَهَا مَهْمَا كَانَتْ ضَالَّة وَخَرّبَه .
والاخطر والادهى مِن شُيُوع الْقُبْح وَاتِّسَاع رُقْعَتَه هُوَ الْعَجْزُ الْأَعْمَى عَنْ الِانْتِبَاه لَه ومقاومتة وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ فِى طَرِيقَة بِزِيَادَة تَفَشَّى وَسِيَادَة الْقُبْح . وَانْحِصَار وَتَلَاشَى الْجَمَال المادى والخلقى والقيمى والمبادئى .
فَهُو إعْدَام لِكُلّ أَمَل فِى الْإِصْلَاح الحقيقى الَّذِى يُعَدّ الْإِنْسَان ذَاتِهِ هُوَ الْأَدَاة الْفَاعِلَة لَه .
فَلَن تجدى النَّظْم والقوانين مَالَم يَسْتَرِدّ الْإِنْسَان ذَاتِهِ مِنْ السُّقُوطِ فِى هَاوِيَةٌ الْعَجْز الَّذِى أَصَابَه بِالْعَمَى وَجَعَلَه ضَرِيرًا لايرى ولايلتفت إلَى مافية أَوْ مَا فِى غَيْرِهِ أَوْ فِيمَنْ حَوْلَهُ مِنْ قُبْحِ ودمامه .

أَوَّلًا يُحَاوِل تَصْحِيح ومقاومة الْقُبْح للعوده إلَى الْإِنْسَانِيَّة بِكُلّ قَيِّمِهَا ومبادئها .
فاخطر وَأَدْهَى مِنْ هَذَا الْعَجْزِ الْأَعْمَى عَنْ مُلَاحَظَةِ الْقُبْح ، هُو قبولنا إيَّاه وامتصاصنا لَه وافرازنا إيَّاه.

لِمَاذَا فَقَدْنَا الْإِحْسَاس بِالْقُبْح « 1»

Leave A Reply

Your email address will not be published.