أوجاع نهر النيل «الجزء الأول»

0

أوجاع نهر النيل «الجزء الأول»

كتب ناصر بسكالس

نهر النيل شريان مصر وقلبها حيث تميزت به مصر من القدم  فهو هديه الرحمن لمصر وشعبها فجعل منها بلدا زراعيا امننا في المياه على مر العصور.

أوجاع نهر النيل

فلم يحظى نهر بما حظى به نهر النيل من مكانه ومنزله ومن كتابات ومؤلفات واشعار بل من تكريم وتقديس. على قدر عطائه الهائل لمصر التى وهبها الحياه حتى قال عنه هيرودوت ان مصر هبه النيل. وعلى قدر ما حظى النيل من الاحتفال والتكريم والاغانى. ولم يحظ نهر ايضا من الانهار بما حظيت ضفافه من عجائب واثاء على مر العصور.

وما اقيم فى مجراه من قناطر وسدود وجسور عبرت منذ الازل عن قداستة لدى المصرى القديم الذى بلغ من القداسة له الى العبادة عمل المصرى القديم محاولات عديده لترويض فيضانه.

النهر العظيم يعطى الحياة والنماء

فعلى ضفتية تتابعت حضارات تكونت وبادت وقامت على ضفافه دول ايضا وزالت.

وصنعت ايضا على ضفافه اثار زالت واثار باقيه. وبقى النهر العظيم يعطى الحياة والنماء، ويستقبل الحب والاحترام ولم يحتفل به المصريون وحدهم انما احبه اخرون وكتبوا فيه أشعار وحكايات وأساطير عبر العصور ولم يكشفوا كل اسراره فى الزمن القديم قبل الخرائط والطائرات.

ومن الذين وصلوا في الحاضر الحديث الدكتور «هرست» الذى كان خبيرا علميا بوزارة الاشغال العمومية المصرية حيث وضع حصاد تجربته في كتاب «النيل» بالإنجليزية وترجمه للعربية المهندس حسن احمد الشربيني من رجال الري المصريين.

ففي بداية كتابه يسجل هرست المعلومات التى اهتمت بجمعها الحكومة منذ سنين طويلة والخبرات المتراكمة لدى خبراء الري المصري من مصريين واجانب فجمع المعلومات الهيدرولوجية والمساحة عن اعماق النهر.

حيث استغرقت المعلومات التى جمعها كتاب النيل خبرات تجمعت لديه مع النيل لأعوام طويله، حيث التحق بالعمل مع الحكومة المصرية بداية من مرصد حلوان ثم في وزاره الاشغال لأكثر من اربعين عاما.

ولم يكتفي الاجنبي عاشق النيل «هرست» بما جمعه في سنين طويله عن النيل، انما جاب فيها النهر صعودا وهبوطا وشرقا وغربا فظهرت له اسراره، ففي 500صفحه رسم فيها الصورة العامة لحوض النيل ولمصر، ونظام الري فيها الحوضي والمستديم، وخزاناتها  وقناطرها، ومقاييسها، وفى السودان والنيل الازرق متتبعا اياها في اثيوبيا وبحيره تانا والاقاليم الملاصقة لها، والنيل الابيض ووسط السودان وأعالي النيل الابيض وأعالي السودان ونهر السوباط وجنوب السودان وبحر الزراف وبحر الجبل والغزال، وادوار والبرت واقليم البحيرات الكبرى وايضا الطقس والصحة والنبات.

النيل واستكشافات العصر الحديث

حوض النيل فى فجر التاريخ والسكان واصولهم  استكشافات فى العصر الحديث، التبخر والنتح، منشأ فيضان النيل، الطمى والمواد الذائبه، معرفه تغيرات النيل. اعمال الرى ومشروعات المحافظة على المياه. وايضا نظريه التخزين الطويل وتقليل الفاقد. مشروع القوى الكهربائية وسد اسوان.

كل هذا كان فى اربعينيات القرن الماضي بمثابه تعبيرا حقيقيا ناطقا عن الحب والاحترام لواهب الحياه والنماء لمصر نهر النيل العظيم. لانها من اجنبي ثم دراسه موسعه وموثقه لجمال وعظمه وهبه نهر النيل. حيث قالو فى كتاب النيل للدكتور محمد عوض الذى اعيد طباعته عدده مرات

ذكر فى مقدمته ان الكتاب ليس بطريف ولا بجديد فكل ساكن فى هذا الوادى تلقى معلوماته الاولى فى الجغرافيا من خلال مراقبته للنهر العظيم.

وقديما تعلم اجدادنا بمراقبه النيل عدد السنين والحساب فهو الدرس الذى يتلقاه كل مصري امى اوغير امى عن عمد او بدون يتعلم من النهر على ضفافه ام فى المزرعة والحقل او فى الدراسة والخرائط.

النيل وجدان مصر

فليس غريبا عشق المصرى للنيل ولكن الاكثر غرابه هو حب الاجانب العميق لنهر النيل، حيث كتبت فيه الاساطير والمجلدات فى كل النواحي.

فكان النيل فى وجدان كل مصري تغنى به الشعراء واصبح جزء من الشخصية المصرية حتى كتب عنها جمال حمدان رائعته «شخصية مصر» فطوال الرحلة يطالعك النيل كل لحظه. فى دراسة النهر وتكوينه، وفى عمليه بناء الوادي ومكوناته، وفى تحولات النيل التاريخية، وفى تكوين البحيرات. المنزلة والبرلس وادكو وابى قير ومريوط

وفى استعراض ما كتبه هيرودت الذى نقل الواقع قوله عن الدلتا او مصر هي هبه النيل وهديه النهر، وبدون النهر لا كانت ولا كان تربتها. كما تردد فى كتب الكندي والعمري والمسعودي  والادريسي وابن بطوطه عن النهر. «ينبع من الجنه» او «نهر من انهار الجنه» او «نهر العسل فى الجنه» او على الاقل «سيد الانهار» كما روى عمرو بن العاص او «صوره من الجنه» كما روى عبد الله ابن عمرو بن العاص.

ومن القلق الدفين كل عام من فيضان النيل والزعر والخوف فقد ينتهى بنهاية سعيدة.

فى مقياس النيل الذى صارا مرادفا للأرصاد الجوية وفى النبض المناخي للسكان. وايضا تطور الري والحضارة التى نشأت منه.

وفى ظل الانسان الذى صارا تحت رحمه النهر. والتوزيع الجغرافى والكثافة السكانية حول النهر. حتى صارت الكثافة حول النهر من اكثر الكثافات السكانية فى العالم.

ولكل قارئ حول النهر يعرف عن القراءة ان الحضارة المصرية حضارة نهرية وان الانسان المصرى ذاته مخلوق نهرى  فحول النهر الكثافة السكانية والنمو العمراني والسكك الحديدية والشبكة الصناعية والجسور والقناطر والسدود.

النيل الذى تغنى به عبد الوهاب.

النيل نجاشى حليوه اسمر

                           عجب للونه دهب ومرمر

ارغوله فى ايده يسبح لسيدة

                              حياة بلادنا يارب زيدة

       وتغنى به شوقى فى رائعته.

من اى عهد فى القرى تتدفق

وبأى كف فى المدائن تغدق

من السماء نزلت أم فجرت

من عليا الجنان جداولا تترقرق

يتقبل الوادى الحياه كريمه

من راحتيك عميمه تتدفق

ويرد شاعر النيل حافظ ابراهيم من منفاه على ابيات شوقى عشقا فى النيل.

تسأله وتسأل ساكنى مصر «هلا بعثتم لنا من ماء نهركم.. شيئا نبل به احشاء صادينا»

ويجيبه حافظ ابراهيم.

«عجبت للنيل يدرى أن بلبله صادويسقى ربا مصر ويسقينا» «لم تنأ عنه وإن فارقت شاطئه: وقد نأينا وإن كنا مقيمينا».

يكفى ان تعرف كيف عاش النيل بكرامه عاليه ومبجلا فى قلوب المصريين وغير المصريين وكان ومازال يكتب فيه الاشعار والكتب ومجلدات. سوف يبقى النيل شريان الحياه فى مصر.

فيجب ان نكون ايضا فخورين به وفخرنا ليس لوجوده فى مصر بل الفخر بالحفاظ، عليه نقيا شامخا خاليا من كل شوائب حتى يستمر للاجيال القادمه شريان الحياه وملهم الشعراء وتفتح كتبه لكل جيل عبر الازمان فهو لنا شريان ومن منا يعيش بدون شريان، مصر دائما كما كانت على مر العصور معلمه وقائده ورائده فى كل المجالات.

أوجاع نهر النيل «الجزء الأول»

Leave A Reply

Your email address will not be published.